محمد بن جرير الطبري

563

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بهم ليلا ومنه قول عبيدة بن همام : ( 1 ) أَتَوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا ، . . . وَكَانُوا أَتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ ( 2 ) لأنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا ، . . . وَهَلْ يُنْكِحَ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ ? ! ( 3 ) يعني بقوله : " فلم أرض ما بيتوا " ، ليلا أي : ما أبرموه ليلا وعزموا عليه ، ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ : هَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي مِنَ اللَّيْل اسْمَعِ ! . . . سَفَهًا تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فَاهْجَعِي ( 4 )

--> ( 1 ) عبيدة بن همام ، أخو بني العدوية ، من بني مالك بن حنظلة ، من بني تميم ، وظنه ناشر مجاز القرآن لأبي عبيدة " عبيدة بن همام التغلبي " ، وكلا ، فهذا إسلامي ، وذلك جاهلي ! واستظهرت من نسب " يعلى بن أمية " في جمهرة الأنساب : 217 ، وغيرها أنه " عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم . وخبر هذا الشعر دال على أنه جاهلي ، فقد ذكر الجاحظ في الحيوان 4 : 376 خبر هذه الأبيات ، في خبر للنعمان بن المنذر ومثالبه ، وذلك أن أخاه المنذر بن المنذر خطب إلى عبيدة بن همام ، فرده أقبح الرد ، وذكر الأبيات . ( 2 ) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 133 ، الحيوان 4 : 376 ، الكامل 2 : 35 ، 106 ، الأزمنة والأمكنة للمرزوقي 1 : 263 ، ديوان الأسود بن يعفر لنهشلي ، أعشى بني نهشل ، في ديوان الأعشين : 298 ، اللسان ( نكر ) . وروى : " فقد طرقوني بشيء " . " طرقوني " : أتوني ليلا . و " نكر " بضمتين ، مثل " نكر " بضم فسكون : الأمر المنكر الذي تنكره . والبيت يتممه الذي بعده . ( 3 ) " الأيم " من النساء ، التي لا زوج لها ، بكرًا كانت أو ثيبًا . و " رجل أيم " ، لا زوجة له . و " منذر " يعني : المنذر بن المنذر ، أخا النعمان بن المنذر . وقوله : " هل ينكح العبد حر لحر " أي : هل ينكح الحر الذي ولدته الأحرار ، عبدًا من العبيد ، وذلك تعريض منه بالمنذر وأخيه النعمان ، الذي جعل امرأته ظئرًا لبعض ولد كسرى ، وسماه كسرى " عبدًا " . وقوله : " حر لحر " ، أي : حر قد ولدته الأحرار ، كما تقول : " هو كريم لكرام ، وحر لأحرار " ، اللام فيه للنسب ، كأنه قال : كريم ينسب إلى آباء كرام ، وحر ينسب إلى آباه أحرار . وهذا الذي قلته لا تجده في كتاب ، فاحفظه . وكان في المخطوطة : " لأنكح إليهم منذرًا " ، وهو فاسد جدًا كما ترى ، وفيها أيضًا : " حر بحر " ، والصواب ما أثبت . ( 4 ) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 133 ، والخزانة 1 : 153 ، والعيني ( بهامش الخزانة ) 2 : 536 ، وشرح شواهد المغني : 161 ، وغيرها . وكان في المطبوعة : " بليل اسمع " ، وهو خطأ ، ومثله في المخطوطة : " بليل اسمع " ، ولكني أثبت رواية أبي عبيدة فهي أجود الروايات . وقوله : " اسمع " ، هذا قول امرأته أو أمه التي كانت تلومه على الكرم والسخاء . ويعني بذلك أنها كانت تكثر من مقالة " اسمع ، واسمع مني " . وقوله : " سفها " ، أي باطلا وخفة عقل . وقوله " تبيتك الملامة " ليس من معنى ما أراد الطبري ، وإن كان الشراح قد فسروه كذلك . وهو عندي من قولهم : " بات الرجل " إذا سهر ، ومنه : " بت أراعي النجوم " ، أي سهرت أنظر إليها ، فقوله : " تبيتك الملامة " ، أي تسهرك ملامتي وعتابي ، يقول : سهرك المضني هذا من السفه ، فنامى واهجعي ، فهو أروح لك ! فاستشهاد أبي عبيدة ، والطبري على أثره ، بهذا البيت ، ليس في تمام موضعه ، وإن كان الأمر قريب بعضه من بعض .